رِحْلةُ الِاسْتِلابِ مِنْ هَيْبَةِ النصِّ الْمَطْبوعِ إِلَى جَبَرُوتِ الدِّعايَةِ /إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ 

أحد, 06/09/2024 - 18:19

أحدُ أساتِذَتِنَا الْأفْذَاذِ في ثانويةِ أَبي تِلِميت شَرَحَ لَنَا كَيْفَ أنَّ كثيرًا من الْمشتغلينَ بِالْعلمِ لَبِثُوا سِنينَ عَدَدًا يُحِيلونَ إلى أيِّ كِتابٍ مطبوعٍ بِاعْتِبارِهِ مَرْجِعًا أو في منزلةِ الْمَرْجِعِ ،ويَشرحونَهُ ويَعتنونَ بِهِ أَسَاسًا لكونِهِ نَصًّا مطْبوعًا !
وَيُشْبِهُ النصُّ الْمطبوعُ صَاحِبَ الْهَيْئَةِ الْحسنةِ والمنظرِ الْحَسَنِ والْهالَةِ والْأُبَّهةِ الذِي يَرَاهُ النَّاسُ ذَا بَهْرَجَةٍ كَأَنَّهُ فِي احْتِفالٍ مَّلَكِيٍّ أَوْ مهْرجانٍ سِياسيٍّ ،فهو مَنظورٌ إليهِ في مَكَانٍ عالٍ وبِهَيْبةٍ ووَقارٍ نظَرًا يَغِيبُ بِهِ الْعَقْلُ وَالتَّأَمُّلُ والتَّحَقُّقُ ،خاصَّةً إذا كانَ الموضوعُ المطبوعُ ليسَ مَحلًّا لنزاعٍ مثيرٍ ،أو خلافٍ شهيرٍ ،
ثُمَّ مَضَتِ السِّنُونَ إِثْرَ السِّنِينَ وأُلِفَ النَّصُّ الْمطبوعُ وكَثُرَتِ الْكُتُبُ ،وذَهبَ الناسُ بِمؤلَّفاتِهم ومَخطوطاتِهم فَعادُوا بِها نُصوصًا مطبوعةً ،وجِيءَ إلى البلادِ بِالْمَطابِعِ ،فَخَفَّتْ هَيْبَةُ النصِّ الْمطبوعِ إلى أنْ أوشَكَتْ عَلى الِاضْمِحْلالِ والتلاشِي ،وكثُرَ الْمُدَوِّنونَ وتَدْوِيناتُهمْ ،وعَلَا صَخَبُ جَهَلةِ الْعَوَامِّ ،وأدعِياءِ الْعِلْمِ ،وَمُتسلِّقِي الْأَكْتَافِ وطُفَيْلِيَّةِ كُلِّ فَنٍّ ،فلا تَسْمعُ لِلعُلماءِ وعباقرةِ الْكِتابةِ إِلَّا هَمْسًا لَّا يَكَادُ يَبِينُ ،
ولكنَّ حِكْمةَ اللهِ اقْتَضَتْ أنه لَا ينفرِدُ الشرُّ وحْدَهُ ولا يَتَمَحَّضُ ،مِثْلُهُ فِي ذلكَ مِثْلُ الْخَيْرِ ،إلا مَا شاءَ اللهُ ،
فقَدْ بَقِيَ فِي هذهِ الْغَيَاهِبِ ودُجُنَّاتِ الدَّيَاجِيرِ ضَوْءٌ خَافِتٌ يَنفُذُ مِنْهُ الْأَمَلُ كُلَّمَا اخْتَنقَ لِيُحافِظَ على حَياتِهِ ! إنه جُرْأةُ الْعلماءِ الطارِئةُ على النصِّ الْمطبوعِ وتَمَكُّنِهم مِنْ اخْتِراقِ هالتِهِ التي كانُوا توارثُوا إِضْفَاءَها عليهِ ،فصاروا يَنقدونَهُ نَقْدَ الصَّرَّافِ الْبصيرِ الْحاذقِ ،وَنَفَذُوا بِسُلْطانِ بَرَاهِينِهم مِنْ أَقْطارِ سماواتِهِ ومجاهِيلِ خَرَاباتِهِ ومَعْموراتِهِ ،
وظنَّ الناسُ أنَّ الْعُقولَ انتَبهَتْ مِنْ غَفْلَتِها ،واسْتيْقَظَتْ مِن سُباتِها ،وأنّها لَن تُخْدَعَ ولَن تُغَيَّبَ ولو سُقِيَتِ ابْنَةَ الْعِنَبِ حَدَّ الثُّمالةِ ،ولكنْ هَيْهاتَ فقدْ حَلَّ الْكلاشنكوفْ مَحَلَّ عَصَا الرَّاعِي الْمُشْفِقِ ،وَحَلَّ هُولَاكُو مَحَلَّ الْحَجَّاجِ ،فَقَدْ حَلَّتِ الدِّعايةُ وَسَطْوَتُها ورَهْبَتُها مَحَلَّ النصِّ المطبوعِ ،ونَاهِيكَ بالدِّعايةِ مِن سِلاحٍ فتّاكٍ وخِدَاعٍ شيطانِيٍّ ،وسِحْرٍ هَاروتِيٍّ ماروتِيٍّ ،فكم جَعلَتْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ شَيئًا ،وكمْ سَاقَتْ مِنْ حاذِقٍ أَرِيبٍ إِلَى بَابِ سَارِقٍ ذِئْبٍ ،وكمْ حَشَدَتِ الْحُشودَ على خَبِيثٍ كَنودٍ ،وكم لَمَّعَتْ مِن صَدِئٍ رَّدِيءٍ ،ورَفَعَتْ مِن دَنِيءٍ ،وَرَغَّبَتْ فِي وَبِيءٍ ،وجَمَّلَتْ مِن سَيِّئٍ وَمُسِيءٍ ،
فهاهِيَ العقولُ ذَاهلةٌ هائمةٌ تائِهةٌ ،وقدِ اسْتَبْدَلَها جُمهورُ العامةِ والْبُسطاءِ بِآذانِهمُ التي صارتْ أطوعَ لِلدِّعايةِ مِنْ آذانِ الأنعامِ في قبضةِ رُعاتِها !
فمتَى تصْحُو الْعقولُ ،وتُنقِذُ أصحَابَها مِنْ هذا الوضْعِ الْمَهُولِ ،ومتى تتَحَصَّنُ ،في وَجْهِ مُدْلَهِمَّاتِ الْفِتَنِ .